الشيخ الطبرسي
201
تفسير مجمع البيان
وقيل : السرد المسامير التي في حلق الدروع ، عن قتادة . حكي أن لقمان حضر داود عند أول درع عملها ، فجعل يتفكر فيها ، ولا يدري ما يريد ، ولم يسأله حتى فرغ منها ، ثم قام فلبسها وقال : نعم جنة الحرب هذه ! فقال لقمان عند ذلك : الصمت حكمة ، وقليل فاعله . ( واعملوا صالحا ) أي : وقلنا اعمل أنت وأهلك الصالحات ، وهي الطاعات شكرا لله سبحانه على عظيم نعمه ( إني بما تعملون بصير ) أي : أنا عالم بما تفعلونه ، لا يخفى علي شئ من أعمالكم . ثم ذكر سبحانه سليمان ، وما آتاه من الفضل والكرامة ، فقال . ( ولسليمان الريح ) أي : وسخرنا لسليمان الريح ( غدوها شهر ورواحها شهر ) أي : مسير غدو تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر ، ومسير رواح تلك الريح مسيرة شهر والمعنى إنها كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب . قال قتادة : كان يغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار ، ويروح مسيرة شهر إلى آخر النهار . وقال الحسن : كان يغدو من دمشق ، فيقيل بإصطخر من أرض أصفهان : وبينهما مسيرة شهر للمسرع ، ويروح من إصطخر فيبيت بكابل ، وبينهما مسيرة شهر ، تحمله الريح مع جنوده أعطاه الله الريح بدلا من الصافنات الجياد . ( وأسلنا له عين القطر ) أي : أذبنا له عين النحاس ، وأظهرناها له . قالوا : أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن ، جعلها الله له كالماء ، وإنما يعمل الناس بما أعطي سليمان منه . ( ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ) المعنى . وسخرنا له من الجن من يعمل له بحضرته ، وأمام عينه ، ما يأمرهم به من الأعمال ، كما يعمل الأدمي بين يدي الأدمي ، بأمر ربه تعالى . وكان يكلفهم الأعمال الشاقة مثل عمل الطين وغيره . وقال ابن عباس . سخرهم الله لسليمان ، وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به . وفي هذا دلالة على أنه قد كان من الجن من هو غير مسخر له . ( ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ) المعنى : ومن يعدل من هؤلاء الجن الذين سخرناهم لسليمان عما أمرناهم به من طاعة سليمان ، نذقه من عذاب السعير أي : عذاب النار في الآخرة ، عن أكثر المفسرين . وفي هذا دلالة على أنهم قد كانوا مكلفين . وقيل : معناه نذيقه العذاب في الدنيا ، وإن الله سبحانه وكل بهم ملكا بيده سوط من نار ، فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان ، ضربه ضربة أحرقته .